أبي حيان التوحيدي

306

المقابسات

الأخروية رتبتان : وهما الاغتباط بنيلها ، والاغتباط بالأمن من زوالها . كما امتنع عليه إبراز فعله المختص به فقد صار وجوده على ما هو عليه مضاهيا لعدمه ، وتلك هي خساسة ذاته صلاح الواحد ينزل منزلة الملك ، وصلاح الجميع ينزل منزلة الملك ، وحيث وجد الملك وجد الملك ، ولا ينعكس ؛ فإذا الإنسان لن يشرف بأن يصير مالكا بل يشرف إذا صار ملكا . وفعل المالك حفظه القنية على صورتها ، وحفظ الملك حفظ مراتب القنيات على درجاتها . متى علم أن الشئ مما يجب أن يعلم وأنه ليس بعلم ، فقد صار المغفول عنه محروصا عليه ، وذلك هو مفتتح السعي ، وهو في الحقيقة أكثر من نصف جملته ، كما أنه ليس يسكن العقل الصريح إلى معرفة المبدأ القريب من الشئ دون أن يعرف المبدأ الأول على الاطلاق ، وما بين المبدئين من الوسائط ، كذا أيضا لا تهدأ النفس القوية على معرفة الغرض القريب للشئ دون أن تعرف الغرض الأخير على الاطلاق ، وما بين الغرضين من الوسائط ، إن كان الأول المحض والآخر المحض بالذات شيئا أحدا ، وإن اختلف الوصفان عليه بالإضافة فبالحري أن يكون المبدأ والغرض المحض غير مختلفين بالذات ، وإن اختلفا بالإضافة . التعرف للذات بحسب المنتهى أربعة ، وهي : أن تعرف لما ذا هو ، وكيف السبيل إليه ، وما الذي يحتاج إليه في التوجه نحوه وما الذي يعوقه عن بلوغه . مراتب التعرف للذات بحسب المبتدأ أربعة ، وهي : أن تعرف ما هو ، ومن جاء به ، ومن داجى به ، وكيف كان مجيئه . ومن أجل أن المستخدم قد يضطر الحال إلى استصلاحها واستحفاظها فيصير فعله فيهما عند ذلك شبيها بفعل الخادم لها في الظاهر ، فليس بعجيب أن يعرض منه الغلط ، أو يبدو من جهته الانخلاع . من سوس العقل الصريح التفرقة بين الحسن والقبيح ، ومن سوسه أيضا السكون إلى الحسن والالتفات عن القبيح ، لأن الشئ متى كان مفرطا في الحسن فإنه يبهر العقل الجريء